مجمع البحوث الاسلامية

174

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

رشيد رضا : الخطاب هنا لكلّ من يتوجّه إليه من المكلّفين ، وقيل : للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد به كلّ من أرسل إليهم ، والمعنى مهما يصبك من حسنة فهي من محض فضل اللّه الّذي سخّر لك المنافع الّتي تحسن عندك لا باستحقاق سبق لك عنده ، وإلّا فبماذا استحققت أن يسخّر لك الهواء النّقيّ الّذي يطهّر دمك ويحفظ حياتك ، والماء العذب الّذي يمدّ حياتك وحياة كلّ الأحياء الّتي تنتفع بها ، وهذه الأزواج الكثيرة من نبات الأرض وحيواناتها ، وغير ذلك من موادّ الغذاء ، وأسباب الرّاحة والهناء ، ومهما يصبك من سيّئة فمن نفسك ، فإنّك أوتيت قدرة على العمل واختيارا في تقدير الباعث الفطريّ عليه ، من درء المضارّ وجلب المنافع . فصرت تعمل باجتهادك في ترجيح بعض الأسباب والمقاصد على بعض ، فتخطئ فتقع فيما يسوؤك ، فلا أنت تسير على سنن الفطرة وتتحرّى جادّتها ، ولا أنت تحيط علما بالسّنن والأسباب وضبط الهوى والإرادة في اختيار الحسن منها ، وإنّما ترجّح بعضها على بعض في حين دون حين بالهوى ، أو قبل المعرفة التّامّة بالنّافع والضّارّ منها ، فتقع فيما يسوؤك ، ولولا ذلك لما عملت السّيّئات . وتفصيل القول أنّ هنا حقيقتين متّفقتين ، إحداهما : أنّ كلّ شيء من عند اللّه ، بمعنى أنّه خالق الأشياء الّتي هي موادّ المنافع والمضارّ ، وأنّه واضع النّظام والسّنن لأسباب الوصول إلى هذه الأشياء بسعي الإنسان ، وكلّ شيء حسن بهذا الاعتبار ، لأنّه مظهر الإبداع والنّظام . والثّانية : أنّ الإنسان لا يقع في شيء يسوؤه إلّا بتقصير منه في استبانة الأسباب ، وتعرّف السّنن ، فالسّوء معنى يعرض للأشياء بتصرّف الإنسان وباعتبار أنّها تسوؤه وليس ذاتيّا لها ، ولذلك يسند إلى الإنسان . مثال ذلك المرض فهو من الأمور الّتي تسوء الإنسان ، وهو إنّما يصيبه بتقصيره في السّير على سنّة الفطرة في الغذاء والعمل ، فيجيء من تخمة قادته إليها الشّهوة ، أو من إفراط في التّعب أو في الرّاحة ، أو من عدم اتّقاء أسباب الضّرر ، كتعريض نفسه للبرد القارس أو الحرّ الشّديد ، وقس على ذلك غيره من أسباب الأمراض الّتي ترجع كلّها إلى الجهل بالأسباب ، وسوء الاختيار في التّرجيح . والأمراض الموروثة من جناية الإنسان على الإنسان فهي من نفسه أيضا ، لا من أصل الفطرة والطّبيعة الّتي هي من محض خلق اللّه دون اختيار الإنسان لنفسه ، فوالداه يجنيان عليه قبل وجوده بتعريض أنفسهما للمرض الّذي ينتقل إلى نسلهما بالوراثة ، كما يجنيان عليه بعده بتعريضه هو للمرض في صغره بعدم وقايته من أسبابه ، في الوقت الّذي يكون اختيارهما له قائما مقام اختياره لنفسه . وأضرب لهم مثلا خاصّا غزوة أحد أصابت المسلمين فيها سيّئة ، كان سببها تقصيرهم في الوقوف عند أسباب الفوز والظّفر بعصيان قائد عسكرهم ورسولهم صلّى اللّه عليه وسلّم وترك الرّماة منهم موقعهم الّذي أقامهم فيه للنّضال ، وكان ذلك لخطإ في الاجتهاد سببه الطّمع في الغنيمة ، كما تقدّم في تفسير سورة آل عمران من الجزء الرّابع . فإن قيل : إنّ جميع الأشياء حسنها وسيّئها تسند إلى اللّه عزّ وجلّ ، ويقال : إنّها من عنده ، بمعنى أنّه هو الخالق